الحرب التجارية العالمية: كيف ظهرت وما آثارها على الاقتصاد العالمي

0 17

الحرب التجارية العالمية: كيف ظهرت وما آثارها على الاقتصاد العالمي

الحرب التجارية هي عندما تفرض دولة تعريفات جمركية على الواردات من السلع لدولة أخرى، وتنتقم هذه الدولة الأخرى بشكل مماثل.

بعنى أخر تبدأ الحرب التجارية عندما تحاول دولة حماية صناعتها المحلية وخلق المزيد من فرص العمل لسكانها. ومن المفترض أن تعطي هذه التعريفات الجمركية ميزة تنافسية للمنتجين المحليين الذين يقومون بصناعة أو إنتاج هذا المنتج. ونتيجة لذلك، سوف يتلقون المزيد من الطلبات من العملاء المحليين ومع نمو أعمالهم، سوف يقومون بإضافة المزيد من الوظائف.

لكن على المدى الطويل سوف تؤدي الحرب الجارية إلى تخفيض النمو الاقتصادي للدول المعنية. كما أنه سوف يسبب التضخم عندما تزيد التعريفات الجمركية من أسعار الواردات.

الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين

لقد بدأت الحرب التجارية العالمية بين أكبر اقتصادين على هذا الكوكب وهما الولايات المتحدة الأمريكية والصين، مع فرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية على سلع صينية واردة إلى الأراضي الأمريكية وتقدر قيمتها بمئات مليارات الدولارات.

وبدأ كل ذلك مع توجيه الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” الاتهامات للصين بأنها تمارس ومنذ فترة طويلة مجموعة من الممارسات التجارية غير العادية، إضافةً إلى قيامها المستمر بسرقة الملكية الفكرية عبر صناعاتها ومنتجاتها المنتشرة في العالم كله. والصين من طرفها اعتبرت أن الولايات المتحدة تحاول كبح صعودها كقوة اقتصادية عالمية كبرى.

هذه الشكوك بين كلا البلدين تحولت إلى حرب تجارية عالمية أضرت بالأعمال التجارية لكلا البلدين وألقت بالمزيد من الثقل والانعكاسات السلبية على الاقتصاد العالمي.

كيف ظهرت بوادر الحرب التجارية منذ بدايتها؟

الولايات المتحدة والصين هما أكبر اقتصادين في العالم. الناتج الإجمالي المحلي في الولايات المتحدة هو الأكبر في العالم من الناحية الإسمية، في حين أن الصين لديها الناتج المحلي الإجمالي أكبر من حيث معدل القوة الشرائية. كما أن الصين تعتبر أكبر مصدر في العالم والولايات المتحدة هي أكبر مستورد في العالم. هاتين الدولتين كانتا ركائز مهمة للاقتصاد العالمي منذ سنوات طويلة حتى الآن.

في إطار سعي الرئيس الأمريكي “ترامب” على تشجيع المستهلين في بلاده على شراء المنتجات الأمريكية، قام أولاً بحعل السلع المستودة من الخارج أكثر تكلفة. ثم بدأ بفرض تعريفات جمركية ضخمة على سلع صينية قيمتها أكثر من 360 مليار دولار مستودة إلى أمريكا، وبالمقابل ردت الصين برفض رسوم جمركية على بضائع أمريكية قيمتها أكثر من 110 مليار دولار مستودة إلى الصين.

بعد ذلك قامت الولايات المتحدة بثلاث جولات جديدة من فرض المزيد من الرسوم الجمركية في عام 2018، وجولة واحدة فقط في شهر سبتمبر من عام 2019. حيث استهدفت الرسوم الأخيرة في العام الماضي مجوعة كبيرة من الواردات الصينية ابتداءً من اللحوم حتى الآلات الموسيقية، وتم فرض رسوم جمركية بنسبة 15%. وردت بكين  على كل ذلك بفرض رسوم جمركية جديدة على السلع الأمريكية تتراوح نسبتها بين 5% إلى 25%.

في أوائل عام 2018 قال “ترامب” أن الحروب التجارية جيدة وسهلة الفوز. وقد أطلق ثلاثة تعريفة جمركية ضخمة على الصلب، وتعريفات على السيارات الأوروبية، ورسوم جمركية على الواردات الصينية. بعد إعلان “ترامب” هذا تراجعت أسواق الأسهم العالمية خوفاً من حرب تجارية بين أكبر ثلاثة اقتصادات في العالم.

قدر الاحتياطي الفيدرالي أن التعريفات التي فرضها “ترامب” تُكلف الأسرة الأمريكية المتوسطة 1245 دولاراً في السنة. ويشمل ذلك ارتفاع الأسعار وانحدار في النمو الاقتصادي. وفي أغسطس 2019، حذر بنك جولدمان ساكس من أن الحرب التجارية يمكن أن تؤدي إلى ركود اقتصادي جديد، خاصةً مع انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.6٪.

استوردت الولايات المتحدة من الصين في عام 2018 بضائع بقيمة 540 مليار دولار، وكان معظمها أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة والملابس. ويتم تصنيع الكثير من هذه البضائع في الصين من قبل الشركات الأمريكية ولكن هذا لا يزال يعتبر واردات. وفي المقابل صدرت الشركات الأمريكية 120 مليار دولار للصين، وكان معظمها من الطائرات التجارية والسيارات وفول الصويا.

السبب الرئيسي للحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين

عادةً يحدث العجز التجاري في دولة ما عندما تكون الصادرات أقل من الواردات. في عام 2017 قامت الولايات المتحدة بتصدير بضائع إلى الصين بقيمة 130 مليار دولار فقط، وكان فئات البضائع الرئيسية هي الطائرات التجارية (16 مليار دولار)، فول الصويا (12 مليار دولار)، السيارات (11 مليار دولار). في حين أن الولايات المتحدة قامت باستيراد بضائع صينية قيمتها 506 مليار دولار، معظمها من الإلكترونيات والملابس.

أكثر من نصف الواردات الصينية إلى الولايات المتحدة هي سلع تستخدمها الشركات المصنعة في الولايات المتحدة لصنع منتجات أخرى. حيث أنهم يرسلون المواد الخام إلى الصين للتجميع منخفض التكلفة، وبمجرد شحنها إلى الولايات المتحدة فإنها تصبح واردات.

الصين هي المُصدر الأول في العالم وميزتها الرئيسية هي أنها يمكن أن تنتج السلع الاستهلاكية بتكاليف أقل من البلدان الأخرى. وتتمتع الصين بمستوى معيشة أقل، مما يسمح لشركاتها بدفع أجور أقل. لا تستطيع الشركات الأمريكية التنافس مع هذه التكاليف المنخفضة للصين، وبالتالي تفقد وظائف التصنيع في الولايات المتحدة. والأميركيون بالطبع، يريدون هذه السلع بأقل الأسعار ومعظمهم غير مستعدين لدفع المزيد مقابل “صنع في أمريكا”.

ولذلك كله هدد السياسيون الأمريكيون وفي مقدمتهم الرئيس “دونالد ترامب” منذ فترة طويلة بحرب تجارية مع أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة في مجال السلع.

آثار الحرب التجارية العالمية على الاقتصاد العالمي

على المدى الطويل، الحروب التجارية تبطئ النمو الاقتصادي العالمي. حيث أنها تخلق المزيد من عمليات التسريح من الوظائف وتفرض المزيد من التكاليف على البضائع المحلية مما يؤدي إلى إحجام المستهلكين عنها، وقد يحدث التضخم الذي سوف يؤدي بالضرورة إلى ظهور ركود اقتصادي ضخم.

مع مرور الوقت، تضعف الحروب التجارية من قوة الصناعات المحلية. حيث أنه بدون منافسة أجنبية، لا تحتاج الشركات الصناعية المحلية إلى الابتكار. وبالتالي سوف ينخفض ​​المنتج المحلي في الجودة مقارنة بالسلع الأجنبية الصنع.

أصدر مكتب الميزانية الأمريكي تقديراته لتأثير الرسوم الجمركية على الاقتصاد الأمريكي منذ شهر أغسطس 2019. حيث أشار أنه بحلول عام 2020، ستُخفض التعريفات من مستوى الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للولايات المتحدة بنحو 0.3٪، وتقلل الاستهلاك الحقيقي بنسبة 0.3٪، والحد من الاستثمار الخاص الحقيقي بنسبة 1.3٪، وخفض دخل الأسرة الحقيقي بنسبة 580 دولار (حوالي 1٪). وسوف تكون صادرات الولايات المتحدة الحقيقية أقل بنسبة 1.7٪ والواردات الحقيقية ستكون أقل بنسبة 2.6٪. كما أوضح أن التعريفات الجمركية سوف تقلل من النشاط الاقتصادي الأمريكي بثلاث طرق:

  • سوف تصبح السلع الاستهلاكية والرأسمالية أكثر تكلفة.
  • سوف تزداد حالة عدم اليقين في الأعمال، مما يقلل أو يبطئ الاستثمار.
  • سوف تفرض البلدان الأخرى تعريفات انتقامية، مما يجعل الصادرات الأمريكية أغلى.

كما أشار مكتب الميزانية الأمريكي أن الولايات المتحدة قد فرضت تعريفة على 11٪ من الواردات بحلول يناير 2018. واعتباراً من 25 يوليو 2019، تم فرض تعريفات انتقامية على 7٪ من جميع صادرات السلع الأمريكية.

إن محاولات الرئيس “ترامب” لحماية الاقتصاد الأمريكي قد أضرت به بالفعل. فقد تم رفع أسعار السيارات وشرائح الكمبيوتر والمعدات الثقيلة. وقطعت الشركات وظائفها لأن تكلفة الإنتاج بالمواد المحلية باهظة. وأصبح يعاني المصدرون الأمريكيون من المنتجات الزراعية والجبن وقطع غيار السيارات من اختفاء الأسواق الخارجية بموجب التعريفات الانتقامية.

ما الذي حدث أخيراً لإنهاء الحرب التجارية

بموجب ما يسمى “المرحلة الأولى” من الصفقة التجارية التي تم الوقيع عليها في شهر يناير الحالي، تعهدت الصين بزيادة الواردات الأمريكية بمقدار 200 مليار دولار عن مستويات عام 2017 وتعزيز قواعد الملكية الفكرية.

وافقت الولايات المتحدة على تخفيض بعض التعريفة الجمركية الجديدة التي فرضتها على الصين إلى النصف. وقال البيت الأبيض إنه سيعالج قضايا إضافية في صفقة “المرحلة الثانية” الثانية، لكن المحللين قالوا إنهم لم يتوقعوا أي شيء ملموس في أي وقت قريب.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.