ثلث عمال الاقتصادات المتقدمة بحاجة إلى مهارات جديدة

0 80

ثلث عمال الاقتصادات المتقدمة بحاجة إلى مهارات جديدة

 

يثير تزايد معدلات إدماج الذكاء الاصطناعي والأتمتة في النشاط الاقتصادي بكل جوانبه، جدلا لا ينتهي بين الاقتصاديين والخبراء حول تأثير هذا التوجه في التطور العام ومعدلات النمو وزيادة الإنتاجية.

لكن القضية، التي تحظى بحيز أكبر من الاهتمام نتيجة الأتمتة والاستخدام الكثيف للروبوتات في عديد من القطاعات الاقتصادية، التي فجرت سلسلة من النقاشات الجدالية، لاتصالها المباشر بمستقبل مئات الملايين إن لم يكن المليارات من البشر البسطاء، تتعلق أساسا بتأثير إدماج الروبوتات (الإنسان الآلي) على ملايين الوظائف الحالية والمستقبلية، وعلى طبيعة سوق العمل ومكوناته، في ضوء ما يعرف عن الروبوتات من قدرة على أداء المهام بشكل أكثر دقة وربما بتكلفة أرخص مستقبلا على الأقل.

ولكن، هل يمكننا القول بأن إدماج الروبوتات في النشاط الاقتصادي يمثل نهاية لسوق العمل، كما عرفته البشرية منذ عصر النهضة وبروز النظام الرأسمالي، أم أنها بمنزلة تغير نوعي يتفق مع التطور الاقتصادي العام والاتجاه نحو الاقتصاد الرقمي، وهل ستقضي الروبوتات على وظائف ملايين الناس، أم أنها ستحرر البشر من قيود العمل وتخفف ضغوطاته عليهم، لتمنحهم مزيدا من الوقت للاستمتاع بالحياة، وهل ستزيد الروبوتات من معدلات البطالة في مستويات العمل كافة، سواء كانت تتطلب مهارات مرتفعة أو بلا مهارات، أم أنها بديل للوظائف الدنيا والمتوسطة، ما يتيح رفع مستويات المهارات المطلوبة في سوق العمل، وهل ستكون الروبوتات مدخلا للتخلص من الفقر ورفع مستويات المعيشة، أم ستزيد الطين بلة، وتفاقم من مأساة الفقر وترفع معدلاته؟ عشرات من الأسئلة تتعلق بالقادم الجديد على سوق العمل وتأثيره المتزايد عليه.

البروفيسور آندي كلارك، أستاذ الاقتصاد الحديث في جامعة أكسفورد يعتقد أن المساهمة المتزايدة للروبوتات في النشاط الاقتصادي تطرح ثلاثة أسئلة رئيسية وهي: هل سيكون هناك وظائف كافية للعمال للقيام بها؟ وهل ستكون التعويضات الناجمة عن إحلال الروبوتات محل الأيدي العاملة كافية لتجنب الفقر وعدم المساواة؟ وفي أي المجالات ستتركز وظائف الروبوتات.

وللإجابة على السؤال الأول، يرى كلارك أنه “لا يزال الخوف من البطالة التكنولوجية قائما لأنه متجذر في عدم اليقين بشأن إمكانية إيجاد فرص عمل جديدة. والتحدي الذي تطرحه التقنيات الحديثة لا يتمثل في أنها توجد عددا قليلا جدا من الوظائف، بل إن المشكلة تكمن في أن قلة قليلة من العمال لديهم المهارات اللازمة لتشغيلها، ومثلما تستفيد بعض الوظائف من التقنيات الجديدة، فإن هناك وظائف أخرى عفا عليها الزمن، فالسيارات مثلا عززت قيمة المهارات الهندسية، وفي المقابل قللت من قيمة مهارات تربية الخيول”.

ويضيف لـ”الاقتصادية” أن “الأدلة التاريخية المتوفرة تبرهن على براعة الإنسان في إيجاد وظائف جديدة، لكن هذا لا ينفي أن الانحياز للتكنولوجيا يعد تحديا دائما سيواجه العمال”.

بطبيعة الحال.. لا يوجد رقم قاطع يمكن النظر إليه باعتباره مرجعية فيما يتعلق بعدد الوظائف، التي ستحل فيها الروبوتات محل الأيدي العاملة البشرية.. لكن تقديرات مؤسسة ماكينزي للأبحاث تشير إلى أنه بحلول 2030 يمكن للروبوتات استبدال ما يصل إلى 800 مليون عامل في جميع أنحاء العالم.. ووجدت الدراسة أن الاقتصادات المتقدمة مثل الولايات المتحدة وألمانيا قد تحتاج إلى امتلاك ثلث القوى العاملة بحلول العقد المقبل مهارات جديدة والعثور على عمل جديد، أما في الاقتصاد الصيني فقد يكون 12 في المائة من العمال في حاجة إلى تبديل مهنتهم بحلول 2030″.

في مواجهة تلك التوقعات، تشير دراسة حديثة لجامعة أكسفورد حول الاتجاهات طويلة الأمد بشأن الأتمتة، إلى أن الروبوتات قد تحصل على أكثر من 20 مليون “وظيفة تصنيع” في جميع أنحاء العالم بحلول 2030، منوهة إلى أن عدد الروبوتات المستخدمة حول العالم ارتفع ثلاثة أضعاف ما كان عليه خلال العقدين الماضيين، ليصل إلى 2.25 مليون روبوت، وفي غضون الـ11 سنة المقبلة قد يكون هناك 14 مليون روبوت عامل في الصين وحدها.

وتقول لـ”الاقتصادية”، الدكتورة مارجريت راسل أستاذة التنمية الاقتصادية في جامعة شيفيلد، إن “القوى العاملة على المستوى العالمي تبلغ حاليا نحو ستة مليارات شخص، مليار منهم يعملون لحسابهم الخاص، ومليار آخر يعمل في الاقتصاد غير الرسمي، ومليار عاطل عن العمل أو في مرحلة انتقالية، وهناك ثلاثة مليارات آخرون يعملون بشكل دائم في القطاعات الأخرى للاقتصاد الحكومي، وعلى مدى عقود صنعت التكنولوجيا أنواعا جديدة من العمل، والاعتقاد السائد أنها صنعت فرصا للعمل أكثر من تلك التي حلت محلها”.

وتضيف مارجريت أن “الروبوتات لها فوائد من حيث زيادة الإنتاجية والنمو الاقتصادي، لكن معدلات التقدم والتطور التكنولوجي ونوعيته في الوقت الراهن تمثل طفرة عملاقة، تضع عشرات ملايين الوظائف خاصة في الاقتصادات الفقيرة، التي تعتمد على العمالة غير الماهرة في مهب الريح، ومع عدم قدرة هؤلاء العمال نتيجة نقص المهارة على الانتقال إلى وظائف أخرى، يتوقع زيادة معدلات البطالة وعدم المساواة في الدخل”.

مع هذا، تعتقد مارجريت أن الروبوتات تصب في نهاية المطاف في مصلحة الاقتصاد الكلي، وبالنسبة لمشكلة عدم المساواة في الدخل الناجمة عن انتشار الروبوتات في مختلف المجالات الاقتصادية، فيمكن التغلب عليها عبر آليات أكثر عدالة لتوزيع الأرباح الاقتصادية الناجمة عن دمج الروبوتات في النشاط الاقتصادي.

وفي الحقيقة، فإن تلك النقطة تحديدا تجد خلافا بين اثنين من أبرز العقول البشرية في القرن الـ21، ففي مقابلة صحافية مع “وول ستريت جورنال”، أظهر بيل جيتس اختلافا في الرؤية مع إيلون ماسك مؤسس شركة “تيسلا” الأمريكية لصناعة السيارات الكهربائية، إذ صرح قائلا “ماسك يعتقد أن الروبوتات سيكون لها انعكاسات سلبية على التوظيف، لكنني لا أراها مشكلة تثير القلق، فأي شخص لديه مهارات في العلوم الهندسية والاقتصاد سيكون هناك دائما طلب عليه”.

ويشير عدد من الاقتصاديين إلى إمكانية التغلب على تراجع التوظيف نتيجة الاستخدام المتزايد للروبوتات في مجال العمل، عبر إحداث تغيرات ملموسة في النظم التعليمية لتكون أكثر قدرة على التعامل مع تلك المتغيرات، وهو ما يتطلب استثمارات كثيفة في هذا المجال، لضمان مخرجات تعليمية قادرة مستقبلا على التعامل مع الاحتياجات التكنولوجيا لسوق العمل.

وحول كيفية إدارة التحولات المقبلة في قوى العمل الدولية، يعتقد دوف رايت الباحث في منظمة العمل الدولية أن ذلك يتطلب مجموعة من السياسات المتداخلة لتفادي التأثيرات السلبية للأتمتة والروبوتات على التوظيف.

ويوضح لـ”الاقتصادية”، أن “الفوائض الاقتصادية الناجمة عن زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات في مجال العمل، تعد المحفز الرئيس لمزيد من استخدامها، وفي مواجهة تلك التحولات يجب الحفاظ على نمو اقتصادي قوي لضمان إيجاد مزيد من فرص لعمل لدى البشر، عبر دعم الأعمال الجديدة والابتكار، وهذا يتطلب سياسات مالية ونقدية تعزز الطلب الكلي ودعم الاستثمار، كما يجب أن يترافق ذلك مع توفير إعادة تدريب الأفراد على تعلم مهارات جديدة قابلة للتسويق، لكن من المستبعد النجاح في ذلك إذا لم يترافق مع مزيد من السيولة في سوق العمل، وإتاحة الفرصة للبشر لمزيد من حرية التنقل”.

ويعتقد معظم الخبراء أن القطاع الصحي سيكون أحد أبرز، إن لم يكن، أهم القطاعات التي ستشهد استخداما كثيفا للروبوتات في الأعوام المقبلة، فبحلول 2030 سيكون هناك 300 مليون شخص على الأقل تزيد أعمارهم على 65 عاما، مقارنة بما كان عليه الوضع في 2014، ومع تقدم البشر في العمر تتغير أنماط الأنفاق لديهم، مع زيادة واضحة في الإنفاق على الرعاية الصحية والخدمات الشخصية الأخرى، وسيؤدي ذلك إلى إيجاد طلب متزايد على الأطباء والممرضات والفنيين الصحيين وغيرهم من الوظائف المتعلقة بالرعاية الصحية لكبار السن.

ويقول لـ”الاقتصادية”، المهندس كامبل لويس من شركة بليبر البريطانية والعاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، إن “قطاع الخدمات بصفة عامة سيكون المستوعب الرئيس للذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة، خاصة في مجالات تجارة التجزئة، فالشركات العملاقة على غرار “أمازون” و”علي بابا” ستكثف استخدامها للذكاء الاصطناعي لتلبية احتياجات العملاء، ولخدمة المستودعات أو مزودي الخدمات اللوجيستية”.

ويضيف لويس أن “التعدين من القطاعات الواعدة لاستيعاب الروبوتات، إذ تضمن الروبوتات بيئة أكثر أمانا لعمال المناجم، كما أن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي باتت تستخدم حاليا في معدات الحفر بشكل مميز وكثيف، وربما تكون تعبئة المواد الغذائية القطاع الأكثر استخداما للروبوتات خلال العقد المقبل، وتحديدا في خطوط التعبئة”.

وأشار لويس إلى أن “الجزء الأكبر من عملية إحلال الروبوتات محل الأيدي العاملة سيتوقف على البنية التحتية في كل مجتمع وقدرتها على استيعاب عملية الإحلال والتبديل، إذ ستكون البنية التحتية المحدد الأساسي لمستقبل دمج الذكاء الاصطناعي ومعدله في النشاط الاقتصادي العام”.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.