اقتصاد أمريكا فاقد للمنافسة والحرية.. عكس الاعتقاد الراسخ

0 8

اقتصاد أمريكا فاقد للمنافسة والحرية.. عكس الاعتقاد الراسخ

 

بدأ الأمر بسؤال بسيط: “لم تكلف اشتراكات الهاتف الخلوي في الولايات المتحدة كثيرا” مقارنة بغيرها من الدول، خاصة تلك التي ضمن الاتحاد الأوروبي؟

سعيا وراء الإجابة، شرع توماس فيليبون في تحليل تجريبي تفصيلي لكيفية تشغيل الأعمال فعليا في أمريكا اليوم، وانتهى به المطاف إلى قلب كثير من الأفكار التي يأخذها الجميع، كما يقرؤونها عن أكبر اقتصاد في العالم.

 

نهاية عهد المنافسة

على مدار العقدين الماضيين، أصيبت سياسة المنافسة بالضمور مع عواقب وخيمة حسب ما كتب فيليبون في هذا الكتاب المهم والمدروس بشكل رائع.

لم تعد أمريكا موطن اقتصاد السوق الحرة، والمنافسة فيها ليست شرسة أكثر مما هي في أوروبا، والجهات المنظمة لديها ليست الأكثر نشاطا، كما أن الجديد من الشركات الفائقة لا يختلف اختلافا جذريا عن سابقاتها.

فيليبون، أستاذ في جامعة نيويورك، واحد من قائمة اقتصاديين لامعين من أصل فرنسي، يدرسون الآن في الولايات المتحدة.

ومن بين المشاركين الآخرين إستير دوفلو أحد الحائزين جائزة نوبل، في معهد ماساتشيوستس للتكنولوجيا، وأوليفييه بلانشار، كبير الاقتصاديين السابقين لصندوق النقد الدولي، وإيمانويل سايز وجابرييل زوكمان، وكلاهما الآن في جامعة بيركلي.

ليس من الواضح أن هؤلاء الناس يشتركون في أشياء كثيرة إلى هذه الدرجة، بصرف النظر عن أصلهم القومي، والميل إلى عدم اتخاذ كليشيهات السوق الحرة أمرا مسلما به.

قد يؤكد المتشككون في أطروحة فيليبون المثيرة للجدل، أن الاقتصادي الفرنسي لا بد أن يكون معارضا أيديولوجيا للرأسمالية الأمريكية.

فيليبون يصر على أنه يؤمن بحماس بقيمة المنافسة. في الواقع فإن كتاب “الانعكاس الكبير” يحتوي على فصل يجادل لمصلحة هذه الفكرة بالذات.

علاوة على ذلك، تستند كل خطوة في حجته إلى تحليل دقيق للبيانات.

يلخص النتائج بشكل واضح: “أولا: أصبحت الأسواق الأمريكية أقل قدرة على المنافسة: التركيز مرتفع في كثير من الصناعات، والقادة متمترسون، ومعدلات أرباحهم مفرطة.

ثانيا: هذا النقص في المنافسة يؤذي المستهلكين والعمال الأمريكيين: أدى إلى ارتفاع الأسعار وانخفاض الاستثمار وانخفاض نمو الإنتاجية.

ثالثا: خلافا للحكمة الشائعة، فإن التفسير الرئيس هو تفسير سياسي، وليس تكنولوجيا: لقد درس انخفاض التنافس وتوصل إلى أنه يعود إلى زيادة الحواجز أمام الدخول، وضعف إنفاذ قوانين مكافحة الاحتكار، الذي يعزز جهود الضغط الشديدة والمساهمات في الحملات الانتخابية”.

كل هذا مدعوم بأدلة مقنعة. أسعار الاشتراكات في الإنترنت السريع في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، هي ضعف ما هي عليه في البلدان المماثلة. الأرباح لكل مسافر على شركات الطيران أيضا أعلى في الولايات المتحدة، مما هي في الاتحاد الأوروبي.

 

تركيز حصص السوق

يوضح التحليل، على نطاق أوسع أن “حصص السوق أصبحت أكثر تركيزا واستمرارا، وزادت الأرباح”. علاوة على ذلك، عبر الصناعات، يؤدي مزيد من التركيز إلى زيادة الأرباح.

وعموما، فإن التأثير كبير: حصة أرباح ما بعد الضريبة من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، قد تضاعفت منذ التسعينيات.

هناك عدة أسباب لزيادة تركيز السوق. في مجال التصنيع، لعبت المنافسة من الصين دورا من خلال دفع المنافسين المحليين الأضعف إلى الخروج من السوق.

بالنسبة إلى بقية الاقتصاد، نحتاج إلى تفسيرات أخرى. في تسعينيات القرن الماضي كانت الشركات الفائقة بما في ذلك وول مارت عملاق التجزئة تدفع معدل الاستثمار ونمو الإنتاجية إلى الأعلى.

حدث العكس في العقد الأول من القرن الحالي، لكن ارتفاع تركيز السوق أدى إلى ارتفاع أرباح الشركات الراسخة، وانخفاض معدل الاستثمار ونمو الإنتاجية.

هذا الشكل الخبيث من التركيز المتزايد دلالة على انخفاض كبير في دخول الشركات الجديدة وزيادة التسامح مع نشاط الاندماج.

بعبارة أخرى، شهد الاقتصاد الأمريكي انخفاضا لا يستهان به في المنافسة وارتفاعا مماثلا في الاحتكار واحتكار القلة.

من أجل إقناع القارئ بالحجة، يتحول الكتاب إلى مقارنات بالاتحاد الأوروبي. سيضحك كثير من القراء: بعد كل شيء، أليس الاتحاد الأوروبي كارثة اقتصادية؟ عندما يقارن المرء التغيرات في حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، فإن الجواب هو: هذا غير صحيح.

 

مسح خلال عقدين

من عام 1999 إلى عام 2017، ارتفعت حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 21 في المائة في الولايات المتحدة، و25 في المائة في الاتحاد الأوروبي و19 في المائة بالذات في دول منطقة اليورو، على الرغم من الأضرار التي ألحقتها أزماتها المالية، التي تم التعامل معها بشكل يفتقر إلى الكفاءة.

كما أن مستويات عدم المساواة والاتجاهات في توزيع الدخل أقل سلبية في الاتحاد الأوروبي، لذلك يتم تقاسم الزيادات في الدخول بصورة أكثر توازنا.

باختصار، المقارنات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لها ما يبررها.

وهذه تبين أن هوامش الربح وتركيز السوق في الاتحاد الأوروبي، لم تنفجر إلى الأعلى كما حدث في الولايات المتحدة. حصة الأجور والمرتبات في إجمالي الدخل -ما يسمى “القيمة المضافة”- للشركات انخفضت بحدود ست نقاط مئوية في الولايات المتحدة منذ عام 2000، إلا أنها لم تنخفض على الإطلاق في منطقة اليورو.

هذا يدمر الفرضية القائلة إن التكنولوجيا هي المحرك الرئيس للتحول الهبوطي في حصة اليد العاملة من الدخول.

بعد كل شيء، أثرت التكنولوجيا (والتجارة الدولية، أيضا) في جانبي الأطلسي على قدم المساواة.

لاحظ أن أطروحة فيليبون تقدم رأيا يسيرا حول الاختلافات في المنافسة في سوق المنتجات.

 

احتفاظ أمريكا بقدر من المزايا

 

يؤكد أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي ليس أقوى من جميع النواحي، على العكس، “لدى الولايات المتحدة جامعات أفضل ونظام بيئي أقوى للابتكار، ابتداء من رأس المال الاستثماري إلى الخبرة التكنولوجية”.

ومع ذلك، أصبحت المنافسة في أسواق المنتجات أكثر فاعلية بكثير في الاتحاد الأوروبي على مدار العقدين أو الثلاثة عقود الماضية.

وهذا دلالة على التحرير الهادف للأنظمة داخل السوق الموحدة، من المفارقات، بالنظر إلى مأساة “بريكست” أن هذا التحرير هو ابتكار سياسي مدفوع من بريطانيا، حيث نشأ مع مارجريت تاتشر، وسياسة منافسة أكثر نشاطا واستقلالية.

جانبا الأطلسي غيرا تركيزهما على الحاجة إلى الحفاظ على المنافسة وتعزيزها.

أحد الافتراضات الرائعة هو أن الاتحاد الأوروبي أنشأ هيئات تنظيمية أكثر استقلالية مما قد تفعله البلدان الأعضاء في الاتحاد، أو في الولايات المتحدة.

هذه نتيجة صحية لانعدام الثقة المتبادل داخل الاتحاد الأوروبي.

تمقت الدول الفردية فكرة أن تكون عرضة لأهواء الأعضاء الآخرين، عندما يتعلق الأمر بالتنظيم وبالتالي تفضل المؤسسات المستقلة تماما.

وهذا مفيد بشكل خاص للبلدان ذات الهيئات التنظيمية الوطنية الضعيفة.

كما أن استقلالية الهيئات التنظيمية للاتحاد تجعل العودة إلى ممارسة الضغط منخفضة نسبيا في الاتحاد الأوروبي.

الأدلة واضحة. كلما ارتفع القانون التنظيمي لسوق المنتجات في بلد عضو في الاتحاد الأوروبي عام 1998، زاد الانخفاض اللاحق في مثل هذا التنظيم. التأثير أيضا أقوى بالنسبة لأعضاء الاتحاد الأوروبي منه بالنسبة إلى غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

هذه التطورات دلالة على الاختلافات في العوامل السياسية. الضغط، سواء كان ضد تحرير الأنظمة أو لمصلحة إقرار قوانين تنظيمية مواتية، هو أشد ضراوة في الولايات المتحدة.

بشكل عام، تدعم الأدلة بقوة فكرة نجاح هذا الضغط، الذي تهيمن عليه الشركات الكبيرة لا محالة. وإلا فلماذا تدفع الشركات ثمن هذا الضغط؟

 

دور المال وحكم الأغنياء

 

البيانات المتعلقة بدور المال في السياسة الأمريكية عجيبة أكثر من ذلك. يقضي أعضاء الكونجرس نحو 30 ساعة في الأسبوع في جمع الأموال. قضى قرار “المواطنون المتحدون” الصادر عن المحكمة العليا عام 2010، بأن الشركات أشخاص، وأن المال خطاب.

تبين أن ذلك خطوة كبيرة في رحلة الولايات المتحدة نحو أن تصبح خاضعة لحكم الأغنياء.

كما ذكر النائب السابق ميك مولفيني (رجل يكتسب سمعة لصدقه الخادع) في نيسان (أبريل) 2018، “إذا كنت من جماعات الضغط التي لم تقدم لنا المال قط، فأنا لن أتحدث إليك. إذا كنت من أعضاء جماعات الضغط الذين قدموا لنا المال، فقد أتحدث إليك.”

يمكن للمرء بالفعل الحصول على أفضل أعضاء الكونجرس الذين يمكن شراؤهم بالمال.

تضغط الشركات مرتين إلى ثلاث مرات في الولايات المتحدة، أكثر مما تضغط شركات الاتحاد الأوروبي. تبلغ مساهماتها في الحملات أكثر 50 مرة في أمريكا مقارنة بها في الاتحاد الأوروبي.

يدرس “الانعكاس الكبير” أيضا الوضع في ثلاث صناعات مهمة: التمويل والرعاية الصحية و”التكنولوجيا الكبيرة”.

فيما يتعلق بالتمويل، فإن النتيجة المذهلة هي أن تكلفة الوساطة -مقدار الرسوم التي يتقاضاها المصرفيون والوسطاء مقابل قبول المدخرات وتحويلها إلى المستخدمين النهائيين- ظلت عند نقطتين مئويتين لمدة قرن. جميع هذه الحواسيب لم يكن لها أثر. هذه إذن آلة للتربح. هذا حقا يجب أن يتغير.

هناك شيئان عن أمريكا لن يفهمهما معظم الغرباء أبدا: قوانين السلاح ونظام الرعاية الصحية. تنفق الولايات المتحدة أكثر بكثير على الرعاية الصحية (لا تقل كثيرا عن خمس الناتج المحلي الإجمالي)، ومع ذلك فإن لديها نتائج صحية أسوأ بكثير من أي بلد آخر من بلدان الدخل المرتفع. كيف حدث هذا؟

الجواب هو أن النظام يحدث احتكارات للتربح من الأعلى إلى الأسفل: الأطباء والمستشفيات وشركات التأمين وشركات الأدوية، كلها تتغذى على حوض العلف المتدفق.

 

الاحتكارات التقنية الحديثة

 

أخيرا، يلقي فيليبون الضوء على ما يسميه GAFAMs وهي الأحرف الأولى من أسماء شركات جوجل وأمازون وفيسبوك وأبل ومايكروسوفت.

وهو هنا يوضح أن الثقل الاقتصادي لهذه الشركات التكنولوجية العملاقة، ليس أكبر من وزن عمالقة الماضي.

على أن صلاتها بالاقتصاد ككل أصغر بكثير. لذلك، ليس من المفاجئ أن يكون تأثيرها في نمو الإنتاجية متواضعا نسبيا.

يتحدى المؤلف بشكل مقنع الرأي القائل، إن مراكز احتكار هذه الشركات هي النتاج الطبيعي لاقتصادات الحجم وتأثيرات الشبكة.

لذلك يمكن، بل وينبغي، القيام بشيء ما. بحسب الترتيب المتصاعد للتطرف في الإجراءات، ستكون هذه: منع الشركات المهيمنة من عمليات الاستحواذ أو إجبارها على التخلص من الأقسام؛ والحد من قدرتها على استغلال المراكز المهيمنة، من خلال فرض إمكانية التشغيل المتداخل مع الشبكات الأخرى وإمكانية نقل البيانات؛ وتفكيك تلك الشركات.

كما يلاحظ “الانعكاس الكبير” أيضا ارتفاع ظاهرة المشتري الواحد -القوة الاحتكارية للمشترين- في أسواق العمل، من خلال العقود التقييدية والترخيص المهني وقيود الدخول.

يحتاج التحرير التنظيمي إلى التركيز على مثل هذه الحواجز.

كما يعرف الاقتصاديون منذ آدم سميث، فإن الشركات إذا تركت على حالها، فإنها ستسعى إلى فرض قيود على المنافسة، وبحماس كبير.

والنتيجة هي رأسمالية الاحتكار والتربح التي تفتقر إلى الكفاءة وغير شرعية من الناحية السياسية.

تكمن الصعوبة في أنه يمكن أن يكون من السهل للغاية على الشركات القائمة، شراء الحماية السياسية والتنظيمية التي ترغب فيها. ما الذي ينبغي أن تريده الولايات المتحدة؟ الإجابات، كما يقترح فيليبون، هي ما يلي: دخول مجاني؛ أن تكون الأجهزة المنظمة على استعداد لارتكاب الأخطاء عند اتخاذ إجراءات ضد الاحتكار؛ وحماية الشفافية والخصوصية وملكية البيانات من قبل العملاء. العقبة الكبيرة أمام الإجراءات المناسبة في الولايات المتحدة هي الدور المتفشي للمال في السياسة. النتائج هي الشر المزدوج المتمثل في احتكار القلة وحكم القلة (الأوليجاركية).

من نواح كثيرة، الوضع في أمريكا هو نتاج للرأسمالية المعيبة التي تحدث عنها المؤلف في “الانعكاس الكبير”.

ما تحتاج إليه الولايات المتحدة، هو رئيس مثل روزفلت وجهوده القوية في ضرب الاحتكارات.

هل ما زال من الممكن تصور ذلك؟ يجب على جميع المؤمنين بفضائل الرأسمالية التنافسية أن يأملوا في ذلك.

 

الكاتب / احمد الشمري

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.